يستعرض محمد إسماعيل في تقريره واقع الضغوط المالية التي تواجهها هيئة السكة الحديد المصرية، بعدما عادت الهيئة إلى تسجيل خسائر رغم نجاحها في تحقيق فائض بلغ 722.2 مليون جنيه خلال السنة المالية المنتهية في يوليو 2025.
ومع استمرار ارتفاع أسعار تذاكر القطارات وتزايد أعباء خدمة الديون وأسعار الوقود، يواجه قطاع السكة الحديد معضلة تتجاوز حسابات الأرباح والخسائر، لتطال قدرة ملايين المصريين على الحصول على وسيلة نقل عامة منخفضة التكلفة.
ونشرت المنصة التقرير الذي يرصد كيف دفعت القروض المتزايدة وتكاليف خدمة الدين وارتفاع أسعار الوقود هيئة السكة الحديد إلى العودة للخسائر خلال السنة المالية 2025/2026، بعدما راهنت الحكومة خلال السنوات الماضية على رفع أسعار التذاكر وزيادة الإيرادات إلى جانب إعادة هيكلة مصادر تمويل الهيئة.
إصلاح السكة الحديد يبدأ بالاقتراض وينتهي بعبء الديون
قبل نحو ست سنوات، فتحت هيئة السكة الحديد فصلًا جديدًا في سياسة الاقتراض، بعدما اتجهت إلى الحصول على قروض مصرفية محلية بدلًا من الاعتماد بصورة أساسية على السحب على المكشوف من الجهات الحكومية، وعلى رأسها بنك الاستثمار القومي.
وقال عضو بمجلس إدارة الهيئة، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الهيئة كانت تسحب الأموال التي تحتاج إليها لشراء قطع الغيار ودفع الرواتب وتغطية تكاليف التشغيل وتنفيذ المشروعات، لكن الحكومة قررت قبل نهاية السنة المالية 2019/2020 إيقاف هذا النظام، والاعتماد بدلًا منه على قروض مصرفية محلية تضمنها وزارة المالية.
واستهدفت الخطوة جعل سياسة الاقتراض أكثر انضباطًا، إذ تعتمد القروض المصرفية على دراسات جدوى أكثر صرامة مقارنة بالسحب على المكشوف، وفقًا للمسؤول.
وبالتوازي مع ذلك، بدأت الهيئة إنهاء علاقاتها المالية مع بنك الاستثمار القومي، الذي تأسس عام 1980، ضمن خطة حكومية لتسوية المتأخرات المستحقة بين الجهات التابعة للدولة. وأسهمت هذه الخطوة في خفض جانب كبير من الديون القديمة للهيئة، بحسب مصدر ثانٍ في مجلس إدارتها تحدث إلى «المنصة» شريطة عدم الكشف عن هويته.
وقدّر المصدر ديون السكة الحديد لدى بنك الاستثمار القومي بنحو 80 مليار جنيه، أي ما يعادل نحو 1.6 مليار دولار. وشطبت الحكومة 10 مليارات جنيه من هذه الديون عام 2016، بينما استحوذ البنك على أراضٍ تابعة للهيئة بقيمة تعادل 44 مليار جنيه عام 2021. وفي إطار خطة تسوية المتأخرات بين الجهات الحكومية، شُطبت لاحقًا 26 مليار جنيه أخرى.
وبموجب النظام الجديد، تتحمل هيئة السكة الحديد فوائد القروض فقط، بينما تسدد وزارة المالية أصل الدين باعتباره دعمًا حكوميًا، وهي سياسة بدأت تطبيقها خلال السنة المالية 2021/2022.
وتزامنت هذه الإصلاحات المالية مع زيادات متتالية في أسعار تذاكر القطارات خلال أعوام 2020 و2023 و2024 و2026، بهدف تعزيز الإيرادات. لكن سرعان ما ظهرت أعباء مالية جديدة بعدما أبرمت الهيئة اتفاقيات قروض كبيرة خلال فترة قصيرة لتمويل خطط تحديث البنية التحتية لشبكة النقل التي دفع بها وزير النقل كامل الوزير.
وبين السنة المالية 2019/2020 ونهاية السنة المالية 2024/2025، تراوح متوسط القروض السنوية التي حصلت عليها الهيئة بين 15 و25 مليار جنيه، وفقًا للمصدر الثاني.
وشملت اتفاقيات التمويل الكبرى قرضًا بقيمة 1.16 مليار يورو عام 2020 لشراء 1300 عربة قطار، إلى جانب تمويل بقيمة 602 مليون دولار لتوريد 110 جرارات وتحديث 81 جرارًا. وفي عام 2021، حصلت الهيئة على تمويل بقيمة 466.1 مليون دولار لتوريد 50 جرارًا جديدًا وتحديث 50 جرارًا وإجراء عمرة لـ41 جرارًا، كما حصلت على قرض بقيمة 362.9 مليون يورو لتحسين جودة خدمات السكة الحديد.
وفي عام 2023، موّل البنك الدولي مشروع تطوير خط الخدمات اللوجستية التجارية بين القاهرة والإسكندرية بقيمة 400 مليون يورو.
ورغم اقتصار التزام الهيئة، وفق النظام المالي الجديد، على سداد فوائد هذه الديون، ارتفعت قيمة الفوائد بصورة حادة خلال السنوات الأخيرة، ما أعاد الهيئة إلى دائرة الخسائر.
ارتفاع أسعار الوقود يضاعف خسائر السكة الحديد
لم تقتصر الضغوط المالية على خدمة الديون، إذ أسهم ارتفاع تكاليف التشغيل، وخاصة أسعار الوقود، في زيادة أعباء الهيئة بصورة كبيرة.
وبعد تحقيق فائض خلال السنة المالية المنتهية في يوليو 2025، سجلت هيئة السكة الحديد خسائر صافية بلغت نحو 530 مليون جنيه خلال السنة المالية 2025/2026، وفق بيانات جمعتها «المنصة» من مسؤولي الهيئة.
ويشكل الوقود أحد أبرز أسباب ارتفاع التكاليف، إذ يعتمد قطاع السكة الحديد بصورة رئيسية على الديزل. وشهدت السنة المالية 2025/2026 زيادتين في أسعار الديزل، الأولى في أكتوبر 2025 والثانية في مارس 2026، ما رفع تكلفة الوقود خلال الفترة بنحو 30%.
وأوضح المصدر الأول أن كل زيادة قدرها جنيه واحد في سعر الوقود تضيف إلى نفقات الهيئة ما يتراوح بين 900 مليون ومليار جنيه سنويًا، أي ما يعادل نحو 18 إلى 19 مليون دولار.
ولا يتوقف أثر ارتفاع أسعار الوقود عند تكلفة التشغيل المباشرة، إذ ينتقل إلى أسعار المواد الخام وقطع الغيار، فضلًا عن زيادة التعويضات التي تدفعها الهيئة إلى المقاولين المنفذين لمشروعات التطوير والتجديد.
وبحسب بيانات مسؤولي الهيئة، بلغت تكلفة المواد الخام والوقود وخدمة الديون خلال السنة المالية 2025/2026 نحو 6 مليارات جنيه، مقابل إيرادات من تذاكر القطارات بلغت نحو 7.5 مليار جنيه.
وأمام تصاعد هذه الأعباء، رفعت وزارة النقل أسعار تذاكر القطارات مرتين خلال النصف الأول من عام 2026. وجاءت الزيادة الأولى في أواخر مارس، بنسبة 12.5% للرحلات الطويلة و25% للرحلات القصيرة، قبل تطبيق زيادة مماثلة في بداية يوليو.
لكن هذه الزيادات لم تضمن خروج السكة الحديد من دائرة الخسائر. ويتوقع المصدر الأول استمرار العجز خلال العام الحالي، رغم محاولات الحكومة تخفيف الأعباء المالية عن الهيئة.
وتقدم وزارة المالية دعمًا سنويًا يقدر بنحو 5.5 مليار جنيه لتذاكر قطارات الضواحي، إلى جانب مساهمة بقيمة 10.5 مليار جنيه في رأسمال الهيئة، بهدف خفض إجمالي قيمة قروضها بنحو 28 مليار جنيه.
دعم تذاكر القطارات أم زيادة الأسعار؟
ينتقد الباحث الاقتصادي محمد رمضان، من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، التعامل مع هيئة السكة الحديد باعتبارها مؤسسة ينبغي أن تخضع بصورة أساسية لحسابات الربح والخسارة، من دون احتساب الأثر الاقتصادي والاجتماعي الأوسع الذي توفره وسائل النقل العام منخفضة التكلفة.
ويرى رمضان أن استمرار رفع أسعار تذاكر القطارات يقلل إحدى أهم مزايا السكة الحديد، وهي توفير وسيلة نقل ميسورة التكلفة لملايين المواطنين، ولا سيما أصحاب الدخول المنخفضة الذين يعتمدون عليها في التنقل اليومي بين المحافظات.
ويشير الباحث إلى أن الحفاظ على انخفاض تكاليف النقل يحقق للدولة عوائد غير مباشرة، من بينها دعم حركة العمالة بين المناطق، وخفض تكاليف المعيشة، وتنشيط النشاط الاقتصادي، وهي فوائد قد تتجاوز الإيرادات الإضافية التي تحققها زيادة أسعار التذاكر.
وتكشف تجربة السنوات الماضية مفارقة واضحة؛ فكلما رفعت الحكومة أسعار تذاكر القطارات بهدف تحسين الوضع المالي للهيئة، ظهرت أعباء جديدة مرتبطة بالديون والوقود وتكاليف التشغيل. وهكذا لم تنجح الزيادات المتتالية في إنهاء دائرة الخسائر بصورة مستدامة.
ولا يعني استمرار خسائر الهيئة بالضرورة فشلًا في تقديم الخدمة العامة، وفق الرؤية التي يطرحها التقرير، إذا جرى تقييم السكة الحديد من زاوية دورها الاجتماعي والاقتصادي، وليس فقط من خلال العجز في الموازنة.
فبالنسبة إلى ملايين المصريين، لا تمثل القطارات مجرد مشروع تجاري يسعى إلى تحقيق أرباح، وإنما تشكل خدمة أساسية تتيح التنقل بتكلفة يمكن تحملها، وتدعم العمل والتعليم والتجارة والحركة بين المحافظات.
وبذلك تطرح أزمة السكة الحديد المصرية سؤالًا أوسع من مجرد كيفية زيادة أسعار التذاكر أو خفض الديون: هل ينبغي تمويل النقل العام وفق منطق الربحية وحده، أم باعتباره استثمارًا طويل الأجل في الاقتصاد والمجتمع؟ ويشير التقرير إلى أن معالجة أزمة السكة الحديد تحتاج إلى موازنة أكثر دقة بين الاستدامة المالية وحماية حق المواطنين في الحصول على نقل عام منخفض التكلفة.
https://almanassa.com/en/stories/33324

